الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

28

نفحات القرآن

3 - إثبات وجود اللَّه بواسطة برهان الحركة لا شكّ في أنّ الحركة لا تنحصر في الحركة الجوهرية ، ولذا لا يتحدّد برهان الحركة لإثبات ذات واجب الوجود ببحث الحركة الجوهرية ، على الرغم من أنّ برهان الحركة - بعد الإيمان بالحركة الجوهرية - أكثر وضوحاً في معرفة اللَّه ، ومن أجل ذلك نقول : إنّ الحركة الجوهرية تقول بأنّ عالم المادّة بأسره عبارة عن حركة ، أي أنّه في حالة حدوث وتجدّد متواصل ، وله في كلّ آنٍ وجود جديد ، وهذا الحدوث المستمرّ يثبت الارتباط الدائم للعالم بمبدأ غير حادث ، أي أنّه يثبت الأزلية والأبدية لواجب الوجود . وبتعبير آخر : إنّ العالم في حال ( صيرورة ) دائمة لا ( كينونة ) ، وليس ذلك في الأعراض فحسب بل هو متأصّل في أعماق ذاته ، ولذا يكون محتاجاً إلى المبدأ باستمرار لكي يخلقه كلّ آن . من خلال هذا البحث يمكن التوصّل إلى نتيجة ظريفة وهي أنّ خلق العالم لم يحدث في البداية ثمّ انتهى ، بل إنّ عملية الخلق مستمرة في كلّ آن ، ولذا فإنّ حاجة العالم إلى علّة أزلية ، أبدية لم تكن في البداية فقط ، لأنّه في حالة حدوث وخلق مستمرّ وفي كلّ آن ، وهذا المعنى كامن في أعماق مفهوم الحركة . ولهذا فبواسطة الحركة الجوهرية يثبت حاجة العالم إلى واجب الوجود عند نشوئه وحاجته إليه في البقاء تبقى قائمة ومستمرة أيضاً ، بل وكما ترى نظرية الحركة الجوهرية فانّه لا مفهوم للبقاء أصلًا والحدوث دائم ، غير أنّه حدوث متواصل ومتسلسل ولهذا يطلق على الاتّصال مصطلح البقاء . هنا يمكن أن نذكر تشبيهاً ناقصاً لكيفية ارتباط الأشياء بالمُبدىء الأزلي للعالم وهو أنّ الموجودات في العالم تشبه المصابيح التي يتواصل وجودها من خلال ارتباطها بالمصدر الكهربائي ، وبما أنّ النور يتجدّد في كلّ آن فانّه بحاجة إلى العلّة في كلّ آن والتعرّف على كيفية انبعاث النور في المصابيح يكفي لمعرفة حاجتها المستمرّة للمصدر المولّد للطاقة الكهربائية .